ابن سبعين

425

رسائل ابن سبعين

وهو يشير إلى تركيبه وطلوعه بالمعارف ، وإلى غلبة الأحوال المنوطة بها التي تخرج السالك الصاعد عن حده الأول المركب ، وتجعله في الحد الأخر البسيط حتى يلتف له ميزانه الذي صعد به ، ثم يعود إليه فيحده ويقيمه مثل أوله ، فشبه التفاف الأمر عليه بالغان ، والغان في اللغة : هو النبات الملتف الطويل ، والاستغفار والتوبة إخباره بموازينه ، وإحضار مكلفه في شأنه ورجوعه إليه . والعدد الذي حصره في سبعين إمّا للتعظيم ، وإمّا مراتب محصورة ، وإمّا مقامه اقتضى هذا ، وإمّا كان في وقت ما وانتقل عنه إلى أكبر إن جعلنا عدد الاستغفار أشرف ، وإن جعلنا أن الأقل من الغيبة والفنا أفضل حتى يثبت في أموره ، وترد عليه كما ترد المعروفة عنده ، ويكون شخصه الطبيعي يتحرك مع الغير ، ومحموله الروحاني يركب أحواله . قلنا فيها : نقصت حتى بقيت في ماهية ذاتها ، فإن كان هذا للبشر ضرورة في مثل هذا المواطن حملناه عليه ، وإن كان في العالم الأول ، وهو صوفي خاصة أطلقناه عليه بتقييد ، فاعلم ذلك . ويمكن أنه أراد صلّى اللّه عليه وسلم السلب والإيجاب ، ودورانهما في الخلد على نقطة الاقتصاد والإفراط والتقصير ، فانظر . وإياك أن تحمل ذنوب الأنبياء على عرفك ، واعتقد أنها على حكمها في مثلهم ، وبقياس ما تقدم ، واجعلها نعمة ، فإنها وردت لأمور نافعة ، ولأحكام وقعت بعدها ينتفع بها الإنسان الذي يستعين به المذنب . واحذر أن تقرأ قوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] ، الآية ، فتتوهم أنها جاءت على محظور فتدخل في سخط اللّه ، وأنت لا تعلم . واعلم أن الكلام في هذه الآية يحتاج إليه ، فإنها من أمهات العقائد والمشكلات ، إلا على آحاد من الناس . وقد صح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وسائر الأنبياء ما يرتكبون محظورا ، ولا يقع منهم ، وأن ما نسب إليهم من ذلك باطل ، وما ورد في القرآن صحيح لا محظور في شيء منه ، وإنما هي تأويلات واجتهادات ، وقع فيها تقصير ينجر فيها العفو لما تقدم فيه من الصفح ،

--> وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ آل عمران : 170 ] . فهذه لطيفة من بعض أوصاف العارفين ، وصفة من صفات المحبين الوارثين لرسول اللّه رب العالمين ، صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .